محمد متولي الشعراوي
2615
تفسير الشعراوى
لكنه ظلم نفسه ؛ لأن الإنسان المسلم مطلوب منه الولاية على نفسه أيضا ، والمنهج يحمى المسلم حتى من نفسه ، ويحمى النفس من صاحبها ، بدليل أننا نأخذ من يقتل غيره بالعقوبة ، وكذلك يحرم اللّه من الجنة من قتل نفسه انتحارا . وهكذا نرى حماية المنهج للإنسان وكيف تحيطه من كل الجهات ؛ لأن الإنسان فرد من كون اللّه ، والحق يطلب من كل فرد أن يحمى نفسه . فإن صنع سوءا أي أضر بغيره ، فهذا اسمه « سوء » . أما حين يصنع فعلا يضر نفسه فهذا ظلم النفس : وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 135 ) ( سورة آل عمران ) وهل فعل الفاحشة مخالف لظلم النفس ؟ . إنه إساءة لغيره أيضا ، لكن ظلم النفس هو الفعل الذي يسئ إلى النفس وحدها . أو أن الإنسان يصنع سيئة ويمتع نفسه بها لحظة من اللحظات ولا يستحضر عقوبتها الشديدة في الآخرة . وقد تجد إنسانا يرتكب المعصية ليحقق لغيره متعة ، مثال ذلك شاهد الزور الذي يعطى حق إنسان لإنسان آخر ولم يأخذ شيئا لنفسه ، بل باع دينه بدنيا غيره ، وينطبق عليه قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « بادروا بالأعمال ستكون فتنة كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسى كافرا ، أو يمسى مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض الدنيا » « 1 » . « وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً » واللّه غفور ورحيم أزلا ودائما ، والعبد التائب يرى مغفرة اللّه ورحمته . ويقول الحق من بعد ذلك :
--> ( 1 ) رواه مسلم والترمذي وأحمد .